أبي منصور الماتريدي
468
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وسماه طيبات . ويحتمل أنه سماه طيبات ؛ لما لا يشوبه داء يؤذيهم ، ولا أذى يضرهم ، ليس كطعام الدنيا مما لا يسلم عن ذلك ، والله أعلم . وقد قيل : الطيب هو المباح الذي يستطيبه الطبع ، وتتلذذ به النفس . وقوله : وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ . . . الآية . وقد ذكرنا معنى الظلم فيما تقدم . وقد يحتمل وجها آخر : وهو النقصان ؛ كقوله : كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً [ الكهف : 33 ] أي : لم تنقص منه . وحاصل ما ذكرنا : أن الظلم هو وضع الشئ في غير موضعه ، وكل ما ذكرنا يرجع إلى واحد . وقوله : وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ . اختلف في تلك القرية : قيل « 1 » : إنها بيت المقدس ، كقوله : ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [ المائدة : 21 ] . أمروا بالدخول فيها ، والمقام هنالك ؛ لسعة عيشهم فيها ورزقهم ؛ إذ هو الموصوف بالسعة والخصب . وقيل : إن تلك القرية التي أمروا بالدخول ، والمقام هنالك ، هي قرية على انقضاء التيه ، والخروج منها . غير أن ليس لنا إلى معرفة تلك القرية حاجة ، وإنما الحاجة إلى تعرف الخلاف الذي كان منهم ، وما يلحقهم بترك الطاعة لله والائتمار ، والله أعلم . وقوله : فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً . والرغد قد ذكرنا فيما تقدم : أنه سعة العيش ، وكثرة المال . وقوله : وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً . يحتمل المراد من الباب : حقيقة الباب ، وهو باب القرية التي أمروا بالدخول فيها . ويحتمل المراد من الباب : القرية نفسها ، لا حقيقة الباب ؛ كقوله : وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ ذكر القرية ولم يذكر الباب ، وذلك في اللغة سائغ « 2 » ، جائز ؛ يقال : فلان دخل
--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير عن قتادة ( 1000 ) والسدى ( 1001 ) والربيع ( 1002 ) وانظر الدر المنثور ( 1 / 138 - 139 ) . ( 2 ) في أ : شائع .